ملا محمد مهدي النراقي
29
جامع السعادات
ويقتل سمها . وفي قلة ما بقي منها بالإضافة إلى ما سبق : مثل ثوب شق من أوله إلى آخره ، فبقي متعلقا في آخره ، فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع . وفي قلة نسبتها إلى الآخرة : كمثل ما يجعل أحد إصبعه في اليم ، فلينظر بم يرجع إليه من الأصل . وفي تأدية علائقها بعض إلى بعض حتى ينجر إلى الهلاك : كماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله . وفي تأدية الحرص عليها إلى الهلاك غما : كمثل دودة القز كلما ازدادت على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما . وفي تعذر الخلاص من تبعاتها واستحالة عدم التلوث بقاذوراتها بعد الخوض فيها كالماشي في الماء ، فإنه يمتنع إلا تبتل قدماه . وفي نضارة أولها وخباثة عاقبتها : كالأطعمة التي تؤكل ، فكما أن الطعام كلما كان ألذ طعما وأكثر دسومة كان رجيعة أقذر وأشد نتنا ، فكذلك كل شهوة من شهوات الدنيا التي كانت للقلب أشهى وأقوى ، فنتنها وكراهيتها والتأذي بها عند الموت أشد ، وهذا مشاهد في الدنيا . فإن المصيبة والألم والتفجع في كل ما فقد بقدر الالتذاذ بوجوده وحرصه عليه وحبه له ، ولذا ترى أن من نهبت داره وأخذت أهله وأولاده ، يكون تفجعه وألمه أشد مما إذا أخذ عبد من عبيده ، فكل ما كان عند الوجود أشهى عنده وألذ ، فهو عند الفقد أدهى وأمر ، وما للموت معنى إلا فقد ما في الدنيا . وفي تنعم الناس بها ثم تفجعهم على فراقها : مثل طبق ذهب عليه بخور ورياحين ، في دار رجل هيأه فيها ، ودعا الناس على الترتيب واحدا بعد واحد ليدخلوا داره ، ويشمه كل واحد وينظر إليه ، ثم يتركه لمن يلحقه ، لا ليتملكه ويأخذه ، فدخل واحد وجهل رسمه ، فظن أنه قد وهب ذلك له ، فتعلق به قلبه ، لما ظن أنه له ، فلما استرجع منه ضجر وتألم ، ومن كان عالما برسمه انتفع به وشكره ورده بطيب قلب وانشراح صدر . فكذلك من عرف سنة الله في الدنيا ، علم أنها دار ضيافة سبلت على المجتازين لينتفعوا بما فيها ، كما ينتفع المسافر بالعواري ، ثم يتركوها ويتوجهوا إلى مقصدهم